الغزالي

76

إحياء علوم الدين

كتب صاحب لنا : أما بعد ، فإن الناس كانوا دواء يتداوى به ، فصاروا داء لا دواء له ، ففرّ منهم فرارك من الأسد . وكان بعض الأعراب يلازم شجرا ويقول : هو نديم فيه ثلاث خصال إن سمع منى لم ينم عليّ ، وإن تفلت في وجهه احتمل منى ، وإن عربدت عليه لم يغضب . فسمع الرشيد ذلك فقال : زهدني في الندماء . وكان بعضهم قد لزم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك فقال : لم أر أسلم من وحدة ، ولا أوعظ من قبر ، ولا جليسا أمتع من دفتر . وقال الحسن رضي الله عنه : أردت الحج ، فسمع ثابت البناني بذلك ، وكان أيضا من أولياء الله فقال : بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن أصحبك . فقال له الحسن : ويحك ، دعنا نتعاشر بستر الله علينا إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه . وهذه إشارة إلى فائدة أخرى في العزلة ، وهو بقاء الستر على الدين ، والمروءة والأخلاق ، والفقر وسائر العورات . وقد مدح الله سبحانه المتسترين فقال * ( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ من التَّعَفُّفِ ) * « 1 » وقال الشاعر ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ولكن عارا أن يزول التجمل ولا يخلو الإنسان في دينه ودنياه ، وأخلاقه وأفعاله عن عورات ، الأولى في الدين والدنيا سترها ، ولا تبقى السلامة مع انكشافها . وقال أبو الدرداء : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فالناس اليوم شوك لا ورق فيه . وإذا كان هذا حكم زمانه ، وهو في أواخر القرن الأول فلا ينبغي أن يشك في أن الأخير شر . وقال سفيان بن عيينة : قال لي سفيان الثوري في اليقظة في حياته ، وفي المنام بعد وفاته : أقلل من معرفة الناس ، فإن التخلص منهم شديد . ولا أحسب أنى رأيت ما أكره إلا ممن عرفت . وقال بعضهم : جئت إلى مالك بن دينار وهو قاعد وحده ، وإذا كلب قد وضع حنكه على ركبته ، فذهبت أطرده ، فقال دعه يا هذا ، هذا لا يضر ولا يؤذى ، وهو خير من الجليس السوء . وقيل لبعضهم : ما حملك على أن تعتزل الناس ؟ قال : خشيت أن أسلب ديني ولا أشعر . وهذه إشارة إلى مسارقة الطبع من أخلاق القرين السوء وقال أبو الدرداء : اتقوا الله واحذروا الناس ، فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه ، ولا ظهر جواد إلا عقروه ، ولا قلب مؤمن إلا خربوه . وقال بعضهم : أقلل المعارف ، فإنه أسلم لدينك وقلبك ، وأخف لسقوط الحقوق عنك . لأنه كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق وعسر القيام بالجميع . وقال بعضهم : أنكر من تعرف ، ولا تتعرف إلى من لا تعرف

--> « 1 » البقرة : 273